ابن الجوزي

274

صفة الصفوة

فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان الرقّ حتى فاته مع رسول اللّه : بدر وأحد قال : ثم قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : كاتب يا سلمان . فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم . فأعانوني بالنخل : الرجل بثلاثين وديّة « 1 » ، والرجل بعشرين ، والرجل بخمسة عشر ، والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده . حتى اجتمعت لي ثلاثمائة وديّة فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اذهب يا سلمان ففقّر لها « 2 » فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي « 3 » : قال : ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الوديّ ويضعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيده . فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها وديّة واحدة . فأديت النخل فبقي علي المال فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال : « ما فعل الفارسي المكاتب ؟ » . قال : فدعيت له . قال : « فخذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان » . قال : قلت : وأين تقع هذه يا رسول اللّه مما علي ؟ قال : « خذها فإن اللّه عزّ وجل سيؤدي بها عنك » . قال : فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت ، فشهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد ( رواه الإمام أحمد ) . وقد رويت بداية سلمان من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة وأنه قال : كنت من أهل جيّ ، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق « 4 » فطلبت الدّين - فذكر نحو ما ذكرناه وأنه قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مكة - والذي ذكرناه من لقائه له بالمدينة هو الصحيح . وفي الصحيح عن سلمان أنه قال تداولني بضعة عشر من ربّ إلى ربّ .

--> ( 1 ) الودية : هي غصن يخرج من النخل فيقطع ثم يغرس . ( 2 ) أي أحفر لها . ( 3 ) أي إذا فرغت من الحفر لها فاغرسها أنا . ( 4 ) جمع أبلق أي التي في لونها سواد وبياض .